يقطع السياح مسافة لا بأس من مدينة "البَلْينَا" التى تبعد مسافة كبيرة جنوبى سوهاج، ولكن عشق تاريخ الفراعنة والرغبة فى مشاهدة آثارهم على الطبيعة يُهوِّن كل شئ أمام هؤلاء السياح المثقفين المتذوقين للعلم والفن .. وهذا دليل على عظمة الأجداد الفراعنة وحضارتهم.

خريطة لمنطقة "أبيدوس" الأثرية.

 

"أبيدوس".

 

معبد "أبيدوس" الذى بدأ بناءه الملك "سيتى الأول".

معبد أبيدوس

جولة فى معبد "أبيدوس"

هو معبد جميل رشيق بناه أولاً الملك "سيتى الأول"، وهو ثانى ملوك الأسرة التاسعة عشرة، ووالد الملك الشهير "رمسيس الثانى". وهو معبد جنائزى وضعه "سيتى الأول" داخل سور شامل يضم القبر القديم الذى يُفترض أنه قبر الإله "أوزيريس".

وكان يحيط بهذا المعبد أيام ازدهاره حديقة مزروعة بالنباتات المزهرة، والأشجار الباسقة. وقد كُشف حديثاً عن واجهة المعبد الأصلية، وأُعيد تركيبها، فظهر الصرحان الكبيران للمعبد، أما الفضاء الذى يليها فهو مكان الفناء الأول والفناء الثانى للمعبد. ولقد أصابهما الكثير من التلف، وهما ينتهيان بواجهة المعبد، ومدخله الحالى بأعمدته المربعة وحوائطه التى رُسمت عليها بالحفر بعض وقائع "رمسيس الثانى" الحربية، وانتصاراته فى آسيا. كذلك كُتب عليها بعض النقوش التذكارية الخاصة به.

أحد جدران معبد "أبيدوس".

ومما يُذكر أن "رمسيس الثانى" قد أكمل بناء معبد "أبيدوس" بعد وفاة أبيه الملك "سيتى الأول". لكن الجزء الذى تم تشييده فى عهد "سيتى" كان أعظم بكثير من الناحية الفنية عن الجزء الذى أكمل بناءه "رمسيس الثانى".

ومعبد "أبيدوس" يختلف كل الاختلاف عن تصميم غيره من المعابد المصرية التى كان يُشيد معظمها على شكل مستطيل، وكانت جميع ردهاتها وحجراتها على محور واحد. أما معبد "أبيدوس" فإن تخطيطه فريد جداً، إذ إنه على شكل زاوية قائمة، أو على هيئة الحرف اللاتينى L. وتقع مقصورة قدس الأقداس وهى المقصورة الرئيسية بشكل عمودى على سلسلة الأفنية، والقاعات المتعاقبة للأعمدة.

"أبيدوس" - لقطة لبعض الأعمدة المزينة بالرسوم.

وتوجد صالة بها أعمدة كثيرة هى قاعة الأعمدة التى شيدها الملك "سيتى الأول"، ولكن زخارفها تمت فى عهد ابنه "رمسيس الثانى". وطول هذه القاعة 55 متراً تقريباً، وعرضها حوالى 11 متراً. ويرتكز السقف على أربعة وعشرين عموداً.

والأعمدة من أسفل على شكل حزم البردى، أما تيجانها فعلى هيئة زهرة لم تتفتح بعد. وتنقسم الأعمدة إلى صفين، كل صف به اثنا عشر عموداً. وكل صف ينقسم إلى ست مجموعات، وفى كل مجموعة عمودان متقاربان، ثم يوجد ممر متسع قليلاً، ثم نجد عمودين متقاربين آخرين، وهكذا .. ويوجد فى القاعة سبعة ممرات تتصل بالممرات الأخرى التى تماثلها فى قاعة الأعمدة الثانية.

تُزين جدران وأعمدة معبد "أبيدوس" نقوش رائعة بالهيروغليفية.

قاعة الأعمدة الثانية

وهى القاعة التالية فى معبد "سيتى الأول"، وسقفها محمول على ستة وثلاثين عموداً .. انقسمت إلى ثلاثة صفوف، فى كل صف اثنا عشر عموداً. ومثلها مثل القاعة الأخرى تتكون الصفوف من مجموعات من الأعمدة، وتتألف كل مجموعة من عمودين. وبذلك يوجد بينهما سبعة ممرات كما هو الحال فى القاعة الأولى. وتتصل الممرات السبعة ببعضها فى كل من القاعتين، وتنتهى بسبعة محاريب مقدسة، كانت توضع فيها تماثيل الآلهة .. وقد خُصِص المحراب الأول منها من ناحية اليمين للإله "حورس"، ثم محراب الإلهة "إيزيس"، ثم الإله "أوزيريس"، ثم "آمون"، ثم "حورأختى"Ra-Harakhty إله شمس الصباح، ثم "بتاح"، وأخيراً محراب الملك "سيتى الأول".

لقطة من داخل معبد "أبيدوس" توضح الأبواب والمقاصير السبعة فى الحرم الداخلى.

وخلف محراب "أوزيريس" يوجد باب يقود إلى قاعة صغيرة بها أعمدة، وبها ثلاث مقاصير صغيرة لثالوث الآلهة المؤلف من "أوزيريس"، و"إيزيس"، و"حورس". كما يوجد كذلك مقاصير أخرى مخصصة لكل من الآلهة "نفرتوم"، و"بتاح سُكَر"، ثم "سُكَر".

صورة لمقصورة "بتاح سُكَر".

أما نقوش هذه القاعة فقد تمت فى عهد الملك "سيتى الأول". وهى نقوش بديعة جداً، ومعظم الموضوعات التى تتحدث عنها تُمثل الملك سيتى مع الآلهة العظمى لمصر، بالرغم من أن المعبد قد أُنشئ أصلاً تكريماً للإله "أوزيريس".

لوحة للملك "سيتى" وهو يقدم القرابين للإله "حورس" الذى يظهر بوجه صقر.

قائمة العرابة

لقطة تبين أحد النقوش الهامة فى "قائمة العرابة" المشهورة التى تضم أسماء ملوك مصر.

من ناحية الجدار الشرقى للقاعة يوجد باب فى الحائط يقود إلى ممر ضيق يوصل إلى قاعة أخرى ذات أعمدة. وفى وسط هذا الممر يوجد أحد النقوش الهامة فى تاريخ الفراعنة. وهذا النقش عبارة عن "قائمة العرابة" المشهورة بـ"قائمة أبيدوس"، وهى القائمة التى تضم أسماء ملوك مصر الذين اعتبرهم "سيتى الأول" ملوكاً شرعيين للبلاد. وقد بدأت هذه القائمة باسم الملك "مينا"، وانتهت باسم الملك "سيتى"، متجاهلة اسم الملكة "حتشبسوت"، وأسماء ملوك عهد الإصلاح الدينى وهم "أخناتون" وخلفاؤه ومن ضمنهم "توت عنخ آمون".

فى الممر الطويل الذى يقود إلى "الأوزوريون" - الذى بدأ فى بنائه الملك "سيتى الأول" (حوالى 1290 - 1279 ق.م) بمنطقة "أبيدوس"، يقابلنا هذا النقش المجسم للإله "نن" Nun وهو يرفع المركب الشمسية لـ"خيبرى" Khepry، وهو مشهد من "كتاب البوابات" Book of Gates . ومعنى اسم "خيبرى" أو "كيبرى" هو الفعل "يصبح"، حيث كان "خيبرى" يرمز إلى الولادة من جديد والتجديد، وكان يُصور على شكل جُعران (خنفساء).

الأوزوريون

لقطة لمعبد "الأوزوريون".

ننتقل إلى المكان الذى فيه الضريح الرمزى للملك "سيتى" (حيث أن مقبرة الملك "سيتى الأول" تقع فى "وادى الملوك"). إن كلمة "الأوزوريون" تعنى "أوزيريس". ونتوقع أن تكون طريقة الدفن فيها هى الطريقة النموذجية التى يقوم المصريون بالدفن على مثالها. وهذه المقبرة السرية تخليد لذكرى المصير الجنائزى "لأوزيريس" بعد أن استعادت "إيزيس" جسد زوجها المنتفخ بفعل المياه، كما جاء فى الأساطير.

ولقد انبعث هذا الميلاد الجديد نتيجة للتخمر الذى يذكرنا بأن "أوزيريس" رب الإنبات. وجدير بالذكر أن الحبوب توضع فى وعاء على هيئة الجسد الإلهى لتنبت وتنمو.

وحجرة الدفن رمز مصغر للكون، فهى مثل كتلة كثيفة من الزرع فى وسط الخلاء. وهذا فى اعتقاد أجدادنا يمثل النقطة الأساسية التى استخدمها الخالق لبث الحياة فى الكون. وعموماً لقد بنى الملك "سيتى الأول" هذا البناء تحت جوف الأرض، ليكون قبراً رمزياً له. والمدخل يقع فى الركن الشمالى الغربى ويؤدى إلى ممر ضيق منحدر طوله نحو أربعة عشر متراً. وقد زينت حوائطه الجانبية بالرسوم الدينية الخاصة بكل من الملكين "سيتى الأول" والملك "مرنبتاح" ابن "رمسيس الثانى". ويؤدى هذا الممر إلى حجرة مستطيلة الشكل تتصل بدورها بحجرة أخرى صغيرة. ويتفرع من وسط الحجرة الوسطى ممر ضيق قصير يتجه إلى الشرق، ويؤدى إلى قاعة مستطيلة الشكل فى وسط جدارها الشرقى منفذ يؤدى إلى قاعة وسطى تُعد قلب هذا المبنى الغريب.

لقطة من "الأوزوريون" - النصب التذكارى للملك "سيتى الأول"، حيث توجد بركة مقدسة تغذيها المياه الجوفية - خلف معبد "سيتى الأول" بـ"أبيدوس" The Osireion - The Cenotaph of Seti I.

وتحتوى هذه القاعة العظيمة فى الوسط على جزيرة، تحيط بها قناة، ويحيط بكل القاعة إفريز عرضه ستون سنتيمتراً، يقطعه فى جهته الشرقية والغربية دعامات يرتكز عليها العقد، ويفتح فى هذا الإفريز سبع عشرة حجرة صغيرة مربعة الشكل.

وقد شُيدت تلك الجزيرة التى تتوسط القاعة من الحجر الرملى. وأُقيم عليها أعمدة من الجرانيت ذات اللون القرنفلى، يرتكز عليها سقف القاعة. وبين هذه الأعمدة تم وضع تابوت الملك، وصندوق أحشائه.

وينتهى الضريح بحجرة واسعة مستطيلة، سقفها مقبب، وتكاد تشبه التابوت. وقد زُين سقفها بنقوش من عهد "سيتى" تمثل إلهة السماوات، يرفعها الإله "شو" رب الهواء، وقد أحاطت الإلهة "نوت" إلهة السماوات الملك بذراعيها.

الإله "شو" رب الهواء يرفع الإلهة "نوت" ربة السماء ويفصلها عن جسد "جب" إله الأرض.

معبد رمسيس الثانى

صورة خارجية لمعبد "رمسيس الثانى".

وإلى الشمال من معبد "سيتى الأول" نجد معبد الملك "رمسيس الثانى"، وهو المعبد الذى أعده أيضاً لعبادة الإله "أوزيريس". وللأسف تأثر هذا المعبد كثيراً نتيجة عدم الصيانة فى الزمن الماضى. ويتراوح ارتفاع بعض حوائطه القائمة بين متر ونصف ومتر وثمانين سنتيمتراً.

لقطة خارجية أخرى شاملة لمعبد "رمسيس الثانى".

ويبدو من بقايا هذا المعبد أنه مكوَّن من فناء خارجى مزين بالأعمدة ذات التماثيل الأوزيرية، ثم توجد شُرفة يتبعها صالتان للأعمدة، ومن خلفهما قدس الأقداس (المحراب) الذى يحيط به عدة حجرات أخرى. وقدس الأقداس تم تشييده بأحسن أنواع الأحجار، فحوائطه من الحجر الجيرى الجيد، وبراويز أبوابه من الجرانيت الأسود والأحمر، أما أعمدته فمن الحجر الرملى، كما أن محاريبه مصنوعة من المرمر.

معبد "رمسيس الثانى" بـ"أبيدوس".

أما نقوش حوائطه فإنها تُضارع نقوش الملك "سيتى" فى معبده. وهى فى الداخل مرسومة بالحفر البارز، وتمثل مناظر تقديم القرابين. أما من خارج المعبد فهى نقوش بالحفر الغائر إلى الداخل، وتمثل بعض حروب الملك "رمسيس" فى آسيا. وهذا المعبد يعتبر من أروع ما شيده الملك "رمسيس الثانى".

العرابة المدفونة

"قائمة العرابة" المدفونة وهى تبين قائمة بأسماء كثير من الفراعنة.

تضم "قائمة العرَّابة" المشهورة فى معبد الملك "سيتى" أسماء الملوك المصريين. وكلمة "العرابة" هذه سببها أن القرية التى تشرف على منطقة معبد "أبيدوس" الأثرية اسمها "قرية العرَّابة المدفونة".

والمنطقة تُعتبر واحدة من أهم المناطق الأثرية فى مصر والعالم، وذلك لمركزها الدينى والتاريخى فى عصور مصر القديمة فهى تحوى مقابر ملوك مصر الأوائل فى عهد الأسرتين الأولى والثانية، وبها آثار من الأسرة التاسعة عشرة.

ولقد اعتبرت أراضى هذه المنطقة مقدسة فى نظر المصريين القدماء، حيث كان لها مكانة دينية سامية فى عقيدة الفراعنة، وذلك بفضل صلتها بمعبود الشعب القديم الإله "أوزيريس" وقد كان الفراعنة يعتقدون فى الماضى أن رأس هذا الإله قد دُفنت فى هذه المنطقة، بل إن بعضهم كان يعتقد أن جسده كله قد دفن فيها .. ونذكر أيضاً أن الملك "مينا" الذى قام بتوحيد القطرين كان من الصعيد أو الوجه القبلى، وأنه هو وملوك أسرته، وملوك الأسرة الثانية قد فضلوا أن يُدفنوا فى الوجه القبلى الذى أتوا منه.

أسطورة أوزير وإيسة

أما حكاية "أوزير" و"إيسة"، و"حور" و"ست" فسنذكرها فى السطور التالية. لكن علينا أن نذكر أولاً أن الجميع الآن ينطق الأسماء بالطريقة الإغريقية القديمة ("أوزيريس" و"إيزيس" و"حورس"). والحكاية رغم أنها قديمة جداً فإنها لم تسجل إلا فى "متون أو نصوص الأهرام".

إن أبطال هذه الحكاية أربعة هم: زوج وزوجة، وولد وعم، وقد اختلفت الطباع والعواطف ما بين صلاح ووفاء، وحسد وانتقام.

لوحة تبين الفرعون وهو يقدم القرابين للإلهة "إيزيس" أو "إيسة".

فقد كان كل من "أوزير" و"إيسة" أخوين وزوجين فى وقت واحد، بينما كان كل من "ست" و"بنت حت" - "نفتيس" زوجين آخرين. وأصبح "أوزير" ملكاً على البشر يحكم بينهم ويهديهم إلى الصلاح. وشعر أخوه "ست" بالغيرة والحسد. وتوجد عدة روايات توضح كيفية تآمر واحتيال "ست" زعيم الشر ضد أخيه "أوزير" زعيم الخير. ومن هذه الروايات أن "ست" دبَّر مكيدة مُحكمة، واستطاع أن يضع "أوزير" حياً فى صندوق مغلق، ثم رمى به فى البحر.

وحكى البعض أنه أغرقه قرب "منف"، وحكى آخرون أنها "عين شمس". لكن المهم أن "إيسة" ظلت وفية لزوجها، فداومت البحث عن بدنه حتى عثرت عليه، واستطاعت بعد مجهود عظيم أن تُعيد جثة زوجها إلى أرض مصر، وأن ترد الحياة إليه لفترة من الوقت بقوتها وسحرها.

ولقد حطَّت عليه كما يحط الطائر، فحملت منه حملاً ربانياً، ووضعت منه طفلها "حور". وقامت بتربية ابنها سراً فى مستنقعات الدلتا وبين الأحراش. وعاونتها عدة كائنات فأرضعته بقرة، وقامت برعايته معها سبع عقارب. المهم أن "ست" رمز الشر لم يعجبه بالطبع عودة أخيه إلى الحياة فقتله من جديد، وقطع جسده إلى أربعين قطعة، ودفن كل جزء منها فى إحدى المقاطعات التى كان ينقسم إليها إقليم مصر. وكان الرأس من نصيب مقاطعة "أبيدوس"، وكانت تمثل المقاطعة العاشرة من مقاطعات الصعيد.

وحزنت "إيسة" حزناً بالغاً لقتل زوجها، ولكنها استطاعت بمساعدة بعض الآلهة أن تجمع أجزاء "أوزير"، وأن تعيد إليه الحياة مرة أخرى، ولكن إلى وقت بسيط ..

وكبر "حور" بسرعة مثل أبناء الأساطير، وتعاونت "إيسة" مع "بنت حت" (نفتيس) وهى أختها وزوجة "ست" فى الوقت نفسه، على إقامة مناحة على "أوزير" الشهيد، حتى يثيروا الحلفاء من أجل الثأر. وخرجوا يتمايلون ويدقون على صدورهم، ويضغطون على أذرعهم، ويشدون شعورهم من الغيظ والحزن، وجعلوا "حور" زعيمهم وسموه المنتقم لأبيه. وبعد صراع مرير، تم العرض على الحكماء وأصحاب القضاء فى "عين شمس" أو "منف". وقد أقام "حور" الدعوى باسم أبيه، وأدان القضاء "ست"، واعتبروا "أوزير" بريئاً من تهمة البدء بالعدوان التى حاول "ست" إلصاقها به. وهنا تأبطت "إيسة" و"بنت حت" ذراعى أخيهما "أوزير"، وخرجتا معه.

ولما انتصر الخير على الشر أصبحت الدنيا بلا غاية بالنسبة "لأوزير"، وفضل أن ينتقل إلى أسفل الأرض حيث عالم الموتى، وأن يمارس سلطانه على ملكوت الموتى. وعاود نشاطه فاستمر يدفع الماء من تحت الأرض، ويدفع الخصب إلى التربة، وينمى الحب فيصبح زرعاً، فهو النبت الأخضر فى مواسم النبات، وهو الماء الدافق فى مواسم الفيضان.

لقد كانت حكاية "أوزير" و"إيسة" مؤثرة فى حياة المصريين، وأصبحت تضاف إليها تفاصيل مختلفة ودقيقة .. وكانت تمثل فى كل عام، وخاصة وقت الاحتفال بالإله "أوزير". ولقد اعتبرت منطقة "أبيدوس" مكان عبادة "أوزير"، كما أنها كانت أكبر عواصم الدين والسياسة فى مصر القديمة.

ويقال أن ملوك الأسرتين الأولى والثانية يرجعون فى أصلهم إلى مدينة "طيبة" التى تقع قريباً جداً من منطقة "أبيدوس". ومنها وجهوا جيوشهم نحو الشمال لفتح أقاليم الدلتا.

أما ملوك الدولة الوسطى فقد زاد إهتمامهم بهذه المنطقة، ونظموا فيها الاحتفال بأعياد الإله "أوزير". وعلى ذلك كثرت زيارات الشعب للحج فى تلك المنطقة، وكثرت مخلفاتهم التى تركوها من الأوانى وشواهد موجودة هنا وهناك فى "أبيدوس".

وكان كثير منهم يحجون بجثث موتاهم إلى المدينة حيث يطوفون بها حول قبر "أوزير"، وكذلك كانوا يفدون بكثرة على تلك المدينة فى أيام احتفالات ذكرى ذلك الشهيد الأسطورى.

لقطة للحرم الداخلى "لأوزير" (أوزوريس) داخل معبد "أبيدوس".

وكان الاحتفال بـ"أوزير" يقوم به كهنة معبده فى المدينة، فيمثلون قصته الرائعة على مسرح المعبد أمام الشعب، ويصورون مصرعه وبعثه وانتصاره فى النهاية، وفوزه بحقه المغتصب. وكان الشعب يُهلل لذلك الانتصار، وينصرف سعيداً بانتصار الحق وهزيمة الشر.

محكمة الآخرة

لقد تخيل الفراعنة أن "أوزيريس" قد أصبح سلطان الآخرة، وصاحب القضاء فى العالم الآخر الذى يذهب كل الأموات إلى محكمته. ويوجد فى المحكمة معه اثنان وأربعون قاضياً يمثلون أقاليم مصر المعروفة، ويقفون حوله.

محاكمة الموتى - بردية جنائزية من "طيبة" ترجع لحوالى عام 1025 ق.م ويظهر فيها الإله "أنوبيس" وهو يزن قلب الميت بميزان العدالة، بينما الإله "أوزوريس" إله الموتى (على اليمين) يتابع المحاكمة.

وفى المحكمة يقوم الميت بالدفاع عن نفسه محاولاً تبرئة نفسه من الذنوب الكبيرة. وإذا أتم دفاعه، يتم وزن قلبه فى ميزان العدل بالريشة. حيث ينبغى أن يكون وزن قلبه أخف من وزن الريشة. وتدل براءة الميت على القيم الخُلقية التى كان أجدادنا يتصفون بها. فكانوا يعتبرون القتل والسرقة، وأكل مال اليتيم والقاصر، والكذب والخداع، وشهادة الزور وكتمان الحق، والزنا، ونقل حدود الأرض، وانتهاك حرمات الأموات .. كل ذلك يُعد من كبائر الإثم.

"أبيدوس" - لوحة تبين محكمة "أوزير" فى الآخرة، والآلهة "إيزيس" و"آمِنْتِت" و"نفتيس" يقفون خلفه.

وكان على الإنسان أن يتحلى بالفضائل وطيب الخُلق، حتى يجد سبيل الدخول إلى جنة "أوزير". وعلى ذلك كان كثير من الأجداد والأبناء يحرصون على أن يذكروا فى مقابرهم أنهم لم يقوموا بإيذاء أحد، وأنهم أعطوا العمال حقوقهم، ولم يقوموا بظلم أحد على الإطلاق.

لوحة للملك "سيتى الأول" (على اليمين) مع الإله "أنوبيس" (يُصور بوجه ابن آوى) إله الموتى وحارس المقابر.

جبانة أبيدوس

فى البقعة التى تقع حول معبدى "الأوزاريون" و"رمسيس الثانى"، توجد مقابر للدولة الحديثة. وإذا نظر الناظر شمالاً وراء تلك المنطقة، سيجد مرتفعاً من الأرض يحوى كثيراً من مقابر الدولة القديمة. وإذا تابع السير فى نفس الاتجاه، وتوغل قليلاً، سوف يجد المكان الذى كان مخصصاً لمقابر الدولة الوسطى وآثارها. ومازالت بقايا تلك القلعة العظيمة التى شُيدت فى أوائل عصر الدولة الوسطى قائمة، وتُعرف عند الأهالى باسم "شونة الزبيب"، ويبلغ ارتفاع حوائطها التى لا تزال قائمة حوالى 12 متراً، كما تبلغ مساحتها 120 × 60 = 7200 متر مربع.

ومقابر الدولة الوسطى التى وُجِدَت فى هذه المنطقة بُنيت على شكل هرمى من الطوب النيئ. وعلى حواف هذه المنطقة وجدت بعض المقابر التى يرجع تاريخها إلى الدولة الحديثة. وبالتحديد الأسرات 18، 19، 20، كما يوجد بعض مقابر العصر المتأخر.

وعلى بعد عدة مئات من الأمتار، وفى الاتجاه الشمالى الشرقى من "شونة الزبيب"، وبالقرب من قرية هناك اسمها "الخربة"، تقع بقايا مدينة "طيبة" القديمة، مهد ملوك مصر الأوائل، وكذلك بقايا معبد "أوزير" الذى يسميه الأهالى الآن بـ"كوم السلطان" والذى يرجع إلى بدء التاريخ المصرى.

وخلف كل هذا، وعلى مسافة 20 دقيقة من الجنوب الغربى لمعبد "رمسيس الثانى" تقع أهم بقعة فى هذه الجبانة من الناحية التاريخية، لأنها تحوى مقابر ملوك مصر الأوائل من الأسرتين الأولى والثانية.

وهناك يمكن مشاهدة الكثير من بقايا الأوانى الفخارية الحمراء التى كانت تحتوى على الطعام والشراب. وكانت توضع فوق مقبرة الإله "أوزير" بمعرفة بعض المتعبدين الأطهار فى العصور المتأخرة لأغراض جنائزية. وقد بلغ من كثرتها أن أصبحت أكواماً بعضها فوق بعض، حتى أنها سُميت الآن باسم "تل أم العقاب".

وأهم المقابر الموجودة فى تلك المنطقة هى مقبرة الملك "مينا" - "نارمر"، و"عَحا"، و"زِر"ْ، وهذه المقبرة كانت مشكلة لدى قدماء المصريين، لأن كثيراً منهم حسبها مقبرة "أوزير". يلى ذلك مقبرة "خاس"، وهى المقبرة التى صُنعت أرضيتها من الجرانيت، وكذلك مقبرة الملك "كاسخمو" التى تعتبر حجرتها الوسطى المصنوعة من الحجر من أقدم المبانى الحجرية فى العالم. وقد سُدت هذه المقابر بالأحجار لحفظها من التلف.

معبد "أبيدوس".

دندرة

معبد "حتحور" بـ"دندرة".

جولة فى معبد "دندرة"

تقع قرية "دندرة" Dendara على بعد 4 كيلومترات غربى مدينة قنا، على الشاطئ الغربى لنهر النيل. وتشتهر "دندرة" بمعبدها المكرس للإلهة "حتحور" Hathor، إلهة الحب والجمال والأمومة والأسرة عند قدماء المصريين، وكانت "حتحور" تُصور على شكل بقرة، أو امرأة لها رأس بقرة أو تحمل قرون بقرة على رأسها.

هذا المجسم المطلى لـ"بس" Bes يقف بالقرب من البوابة الرومانية لمعبد "حتحور" بـ"دندرة". و"بس" هو إله الأسرة لدى قدماء المصريين الذى يحمى الأم وطفلها أثناء الولادة. ويتناسب المظهر الغريب لذلك الإله الذى يصور كقزم مع دوره كحارس للأم وطفلها، حيث أنه من المفترض أن يكون قادراً عل إخافة وإبعاد الأرواح الشريرة.

يرجع تاريخ تشييد معبد "دندرة" إلى عصر البطالمة، وعلى هذا فهو لا يمثل الطراز المصرى القديم الأصيل فى بناء المعابد، كما نشاهده فى المعابد الأقدم. بدأ "بطليموس الـ11" Ptolemy XI فى بناء معبد "دندرة" فى القرن الأول قبل الميلاد، وأُكمِل فى عهد "اوجوستوس" Augustus إمبراطور روما. ومازال معبد "دندرة" قائماً بحالة جيدة جداً إلى يومنا هذا، وهو من المعالم الأثرية الجميلة التى تستحق الزيارة.

واجهة معبد "دندرة" وتظهر فى الصورة 6 أعمدة لها رؤوس على شكل الإلهة "حتحور".

 

لوحة منقوشة على الحائط الخارجى لمعبد "دندرة" تُصور ملكة مصر القديمة "كليوباترا السابعة" (69-30 ق.م) ومعها "قيصريون" Caesarion ابنها من قيصر.